سيد محمد طنطاوي

53

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

فيقولون : يا ربنا إننا آمنا بك وصدقنا رسولك في كل ما جاء به من عندك ، فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا في أمرنا فأنت الغفار الرحيم ، * ( وقِنا عَذابَ النَّارِ ) * أي جنبنا هذا العذاب الأليم يا أرحم الراحمين . وفي حكاية هذا القول عنهم بصيغة المضارعة * ( يَقُولُونَ ) * إشعار بأنهم يجددون التوبة إلى اللَّه دائما لقوة إيمانهم ، وصفاء نفوسهم ، وإحساسهم بأنهم مهما قدموا من طاعات فهي قليلة بجانب فضل اللَّه عليهم ، ولذلك فهم يلتمسون منه الستر والغفران ، والوقاية من النار ، وهذا شأن الأخيار من الناس . وقوله - سبحانه - * ( الَّذِينَ يَقُولُونَ ) * بدل أو عطف بيان من قوله * ( لِلَّذِينَ اتَّقَوْا ) * ويجوز أن يكون في محل رفع على أنه خبر لمبتدأ محذوف والجملة منهما جواب عن سؤال كأنه قيل : من أولئك المتقون ؟ فقيل : هم الذين يقولون ربنا إننا آمنا . . ويجوز أن يكون في موضع نصب على المدح . ثم وصفهم - سبحانه - بخمس صفات كريمة من شأنها أن تحمل العقلاء على التأسي بهم فقال : * ( الصَّابِرِينَ والصَّادِقِينَ والْقانِتِينَ والْمُنْفِقِينَ والْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحارِ ) * . وفي كل صفة من صفاتهم دليل على قوة إيمانهم ، وإذعانهم للحق حق الإذعان . فهم صابرون ، والصبر في البأساء والضراء وحين البأس من أكبر البراهين على سلامة اليقين ، وقد حث القرآن أتباعه على التحلي بهذه الصفة في أكثر من سبعين موضعا . وهم صادقون ، والصدق من أكمل الصفات الإنسانية وأشرفها ، وقد أمر اللَّه عباده أن يتحلوا به في كثير من آيات كتابه ، ومن ذلك قوله - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّه وكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ . وهم قانتون ، والقانت هو المداوم على طاعة اللَّه - تعالى - غير متململ منها ولا متبرم بها ، ولا خارج على حدودها . فالقنوت يصور الإذعان المطلق لرب العالمين . وهم منفقون أموالهم في طاعة اللَّه - تعالى - ، وبالطريقة التي شرعها وأمر بها . وهم مستغفرون بالأسحار . أي يسألون اللَّه - تعالى - أن يغفر لهم خطاياهم في كل وقت ، ولا سيما في الأسحار . والأسحار جمع سحر وهو الوقت الذي يكون قبل الفجر . روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة أن رسول اللَّه صلَّى اللَّه عليه وسلَّم قال : « ينزل ربنا - عز وجل - إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضى ثلث الليل الأول فيقول : أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له ، من ذا الذي يسألني فأعطيه ، من ذا الذي يستغفرني فأغفر له ، فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر » « 1 » .

--> ( 1 ) تفسير القرطبي ج 4 ص 39 .